محمد حسام حيدر زاده - مدير العلاقات الدولية في مجموعة مهر الإعلامية - يتناول كاتب المقالة الصحفية بعنوان "الحرب الإيرانية و'روح شنغهاي'... ما الذي يمكن ان تستخلص دول الخليج الفارسي؟" بيشكيك ومنطق "إدارة النزاعات" في منظمة شنغهاي للتعاون، ويخلص في النهاية إلى أن الحرب الإيرانية غابت عن جدول أعمال قمم شنغهاي. إن الفقرة الواردة في هذه المقالة، والتي تدّعي أن الحرب الإيرانية لم تُثر حتى في الاجتماع التمهيدي لوزراء الخارجية في قيرغيزستان، وأن الوفد الإيراني في قمة شنغهاي للإعلام ومراكز الفكر في بيشكيك رفض التطرق إلى الحرب، هي تحديدًا موضع انحراف التحليل عن الواقع، لأن الوثائق الرسمية ونصوص الخطابات والبيانات الختامية تُظهر عكس هذا الادعاء.
ادعاء لا يتوافق مع الوثائق
لم يقتصر اجتماع مجلس وزراء خارجية منظمة شنغهاي للتعاون المنعقد في 24 يوليو/تموز 2026 في تشولبون آتا (الاجتماع التحضيري نفسه المذكور في المقال) على مناقشة الحرب فحسب، بل أكد بيانه الختامي صراحةً الموقف الوارد في "إعلان تيانجين" بإدانة الهجمات العسكرية على الأراضي الإيرانية، واعتبر هذه الأعمال "انتهاكًا صارخًا لمبادئ وقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة". وفي البيان نفسه، أعرب وزراء الخارجية عن تعازيهم في استشهاد قائد الثورة، آية الله السيد علي خامنئي، وتعاطفهم مع الشعب والحكومة الإيرانية وأسر الضحايا؛ وهي قضية سبق أن تناولتها وسائل الإعلام باعتبارها محور البيان وإدانة العدوان الأمريكي على إيران.
والأهم من ذلك، أن مضمون خطاب وزير الخارجية الإيراني في الاجتماع، والذي نُشر على الموقع الإلكتروني الرسمي لوزارة الخارجية، تمحور أساسًا حول هذه الحرب. في الجزء الأول من خطابه، أوضح السيد عباس عراقجي أن إيران كانت مجددًا هدفًا لعدوان عسكري سافر من قِبل الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في الأشهر الأخيرة، وبعد هجمات يونيو 2025، شهد العالم هذه العدوانات مرة أخرى في الفترة من فبراير إلى أبريل 2026. ووصف يوم 28 فبراير 2026 بأنه أحد أحلك الأيام في التاريخ الإيراني: استشهاد قائد الثورة في مكتبه مع أفراد أسرته، ومذبحة 168 طالبًا وموظفًا وعائلاتهم في ميناب، والهجوم على صالة رياضية في لامرد، فارس، بذخيرة، استنادًا إلى الأدلة الفنية، استُخدمت ضد المدنيين، وخاصة الفتيات الصغيرات المشاركات في الأنشطة الرياضية. هذا هو المضمون الرسمي للخطاب في اجتماع وزراء خارجية شنغهاي، وليس تعليقًا جانبيًا.
هذا هو المضمون الرسمي للخطاب في اجتماع وزراء خارجية شنغهاي، وليس تعليقًا جانبيًا. يُحوّل الجزء الثاني من الخطاب من سردية الجريمة إلى المستوى القانوني: فما واجهته إيران لم يكن مجرد تهديد للأمن القومي، بل كان تحديًا للمبادئ الأساسية التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي، وإذا ما أُضعف مبدأ عدم استخدام القوة وأصبح العدوان العسكري أداةً معتادةً، فلن تكون أي دولة بمنأى عن عواقبه. كما تحدث عراقجي عن انتهاك واشنطن لمذكرة تفاهم إسلام آباد، والهجمات على البنية التحتية للنقل، ومرافق مياه الشرب، وقوارب الصيد، ومراكز الأرصاد الجوية، والتدخل الأمريكي المباشر في الترتيبات الأمنية لمضيق هرمز، مؤكدًا أن تجربة الأشهر الأخيرة أظهرت أن أمن الخليج الفارسي ومضيق هرمز لا يتحقق بوجود وتدخل قوى خارجية، بل بالتعاون بين دول المنطقة. وحذّر من أن أي مشاركة أو تعاون أو مساعدة في ارتكاب عدوان ضد إيران سيُحمّل الأطراف المعنية مسؤولية دولية؛ وهي رسالة رددتها وسائل الإعلام باعتبارها جوهر موقف إيران في الاجتماع.
قمة الإعلام ومراكز الفكر: صمت أم وضوح؟
الادعاء الثاني في المقال، وهو أن الوفد الإيراني رفض التطرق إلى الحرب في قمة شنغهاي للإعلام ومراكز الفكر في بيشكيك، لا أساس له من الصحة. عُقدت القمة في الفترة من 27 إلى 28 يوليو/تموز 2026 في مقر إقامة آلا أرتشا الحكومي، وحضرها 250 ممثلاً عن وسائل الإعلام ومراكز الفكر والمؤسسات الحكومية. وفي كلمته حول بناء التوافق والإعلام الذكي المتكامل، صرّح محمد مهدي رحمتي، الرئيس التنفيذي لمجموعة مهر الإعلامية، بوضوح: "عالم اليوم ليس مكاناً تنهار فيه الأمم والحضارات الحقيقية وتستسلم للأحادية وهيمنة القطب الواحد. أنا أنتمي إلى أرض أظهر شعبها مقاومةً شرسةً للعدو بكل قوته في الأشهر الماضية". وكان عنوان تقرير وكالة مهر للأنباء عن هذه الكلمة: "مقاومة الشعب الإيراني الأخيرة رمزٌ لمواجهة هيمنة القطب الواحد". أي أن الحرب لم تكن مجرد خطة، بل أصبحت الإطار التحليلي لخطاب إيران حول إدارة الإعلام و"روح شنغهاي".
لم تكن هذه الفكرة مجرد موقف سياسي. فمقترحات إيران العملية، بدءًا من "منصة شنغهاي المشتركة للإعلام ومراكز الفكر" لتبادل التحليلات والبيانات الاستراتيجية بشكل مستمر، وصولًا إلى آلية لتقييم "مدى تحقق روح شنغهاي" دوريًا، و"شبكة استشارية دائمة" لتحديد المفاهيم الخاطئة قبل تحولها إلى أزمات، تهدف تحديدًا إلى الوظيفة التي يتوقعها كاتب تلك المذكرة من شنغهاي: بناء القدرة على التوافق ومنع الأزمات، لا محو الخلاف من جدول الأعمال.
قمة بيشكيك: على أعلى المستويات
في القمة السادسة والعشرين لمجلس رؤساء دول منظمة شنغهاي للتعاون، التي عُقدت في بيشكيك أمس، 1 سبتمبر/أيلول 2026، أثار الرئيس الإيراني القضية على أعلى مستوى ممكن. ووصف مسعود بزشكيان الهجمات الأمريكية والصهيونية على إيران في 13 يونيو/حزيران 2025 و28 فبراير/شباط 2026 بأنها "انتهاك صارخ للمبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، ومبدأ حظر استخدام القوة، والحق في الحياة". وأشار إلى الهجوم على مدرسة في ميناب، الذي أسفر عن استشهاد 168 طالبًا وموظفًا، والهجوم على صالة لامرد الرياضية في محافظة فارس، الذي أسفر عن استشهاد وإصابة نحو 200 شخص، مضيفًا أن هذه مجرد ثلاثة أمثلة على جرائم اليوم الأول من حرب استمرت أربعين يومًا. أكد بزشكيان أن هذه الهجمات تمثل عدوانًا على دولة عضو في منظمة شنغهاي للتعاون، وعلى "حضارة عريقة"، وشكر المنظمة والدول التي أدانت هذا العدوان وأبدت تعاطفها مع إيران.
وفي قمة شنغهاي بلس، وصف أداء الأمم المتحدة ومجلس الأمن تجاه غزة ولبنان والعدوان الأخير على إيران بأنه مخيب للآمال للغاية، وقال إن الدبلوماسية بدون حسن نية واحترام للالتزامات وتجنب استخدام القوة لن تحقق سلامًا دائمًا. وفي الخطاب نفسه، اقترحت إيران ثلاث مبادرات اقتصادية (منظمة شنغهاي للتعاون، واتحاد تأمين الصادرات والاستثمارات، وائتلاف الطاقة) ومبادرة أمنية واحدة (مركز دراسات الأمن الاستراتيجي التابع للمنظمة). هذا المزيج (خطة حرب صريحة إلى جانب مبادرات مؤسسية) يُظهر أن إيران، خلافًا للصورة التي رسمها المقال المذكور، تستغل هذه القمم كفرصة لتبادل الأفكار حول القضايا التي أوجدها نظام الهيمنة والأحادية الأمريكي في المنطقة والعالم.
البيانات الختامية: إدانة مسجلة وموثقة
لو كان ادعاء "غياب الحرب" صحيحًا، لما كان له أثر في الوثائق الختامية للقمم؛ إلا أن مسار البيانات يُظهر صورة مختلفة. فقد أدانت منظمة شنغهاي للتعاون بشدة الهجمات العسكرية الإسرائيلية على الأراضي الإيرانية في بيانها الصادر في 13 يونيو/حزيران 2025، واصفةً إياها بأنها "انتهاك صارخ للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة" وتعدٍّ على سيادة إيران. وبعد عشرة أيام، في بيانها الصادر في 23 يونيو/حزيران، اعتبرت أيضًا الهجمات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية انتهاكًا واضحًا لقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وميثاق المنظمة نفسها. وقد تعزز هذا الموقف في إعلان تيانجين على مستوى القمة (1 سبتمبر/أيلول 2025)؛ وهي وثيقة وصفت العدوان العسكري الإسرائيلي والأمريكي على إيران في يونيو/حزيران 2025، والهجوم على المنشآت المدنية بما فيها البنية التحتية النووية، وانتهاك سيادة إيران ووحدة أراضيها، بأنها تهديد للسلام العالمي.
... مع تكرار العدوان في عام 2026، استمر الموقف نفسه: ففي بيان 2 مارس/آذار 2026، أدانت المنظمة الهجمات العسكرية على الأراضي الإيرانية، وشددت على ضرورة ضمان سيادة البلاد وأمنها ووحدة أراضيها، ودعت مجلس الأمن إلى اتخاذ إجراء فوري. وفي اجتماع مجلس وزراء الخارجية في تشولبون آتا (24 يوليو/تموز 2026)، وهو الاجتماع نفسه الذي وُصف في المقال بأنه افتقر إلى مناقشة الحرب، أكد البيان الختامي مجدداً موقف إعلان تيانجين في إدانة الهجمات على إيران، وسجل التعازي الرسمية في استشهاد القائد الإيراني. وأخيراً، أعرب إعلان بيشكيك، باعتباره وثيقة صادرة عن القمة والذكرى السنوية الخامسة والعشرين للمنظمة (1 سبتمبر 2026)، عن قلق عميق إزاء التطورات في الشرق الأوسط وحول إيران، وكرر إدانة الهجمات على الأراضي الإيرانية، مشيراً إلى الخسائر المدنية الواسعة النطاق والخسائر الاقتصادية الفادحة، وتضمن نصه دعم الأعضاء لسيادة إيران ووحدة أراضيها وتعازيهم في استشهاد القائد الإيراني.
نقطةٌ تُقلب الموازين: ضعف حضور دول الخليج الفارسي
أكدت مقالة المجلة على أهمية دول الخليج الفارسي كشركاء للصين وآسيا الوسطى، وتحدثت عن روح مؤتمر شنغهاي؛ إلا أن بيانات الحضور تُشير إلى صورةٍ مُغايرة. ففي قمة تيانجين 2025، كان الغياب الجماعي لدول الخليج الفارسي، كالمملكة العربية السعودية وقطر والكويت والإمارات والبحرين، من أبرز ما لفت الانتباه، ورأى المحللون في ذلك نتيجةً لـ"موازنة الدبلوماسية" وتجنب استفزازات واشنطن من خلال حضور قمة أمنية بقيادة الصين وروسيا. وفي قمة بيشكيك الأخيرة، ورغم حضور قادة العديد من الدول الآسيوية والأفريقية في إطار مؤتمري شنغهاي وشنغهاي بلس، لم يُذكر أيٌّ من قادة دول الخليج الفارسي رفيعي المستوى.
والجدير بالذكر أن صفة "شريك الحوار" لا تضمن الحضور بحد ذاتها؛ فالدعوات تُنسق بين الأعضاء، والمشاركة اختيارية. من جهة أخرى، قررت قمة تيانجين التوجه نحو وضع موحد هو "شريك منظمة شنغهاي للتعاون"، ودمج وضعي "مراقب" و"شريك حوار"، وهي عملية مستمرة مع مراجعة الوثائق القانونية. لذا، من الأدق القول إن دول الخليج الفارسي، ظلت على هامش المؤسسة، وقلصت فعلياً حضورها في الاجتماعات الأخيرة.
لماذا هذا التراجع؟ إعادة تنظيم الأمن الداخلي
يجب البحث عن جذور هذا الضعف في إعادة تنظيم جادة للنظام الأمني وحوكمة هذه الدول. يُظهر تقييم معاهد أبحاث الخليج الفارسي أن الحرب مع إيران قلبت الاعتقاد السائد بـ"التأثير الرادع للقواعد الأمريكية": فهذه القواعد لم تمنع الهجمات فحسب، بل جذبتها إليها، وأصبحت دول الخليج الفارسي هدفًا لمئات الهجمات الصاروخية وآلاف الهجمات بطائرات مسيرة إيرانية في غضون ستة أسابيع تقريبًا. وتشير التقييمات نفسها صراحةً إلى أن الغضب والإحباط من عدم التشاور مع واشنطن واضحان في المحادثات غير الرسمية مع ممثلي دول الخليج الفارسي، على الرغم من أن هذا الشعور أقل وضوحًا في العلن، وأن "الافتراض الاستراتيجي" الذي استندت إليه هذه الشراكة لم يعد فعالًا كما كان في السابق.
كما أشارت تقارير تحليلية أخرى إلى أن هذه الإجراءات التي اتخذتها إيران كانت مبنية على استضافة قواعد أمريكية، وكانت في معظمها ذات طبيعة دفاعية، ويقول العديد من المراقبين الإقليميين إن فكرة أن الولايات المتحدة ستدافع عن الدول المضيفة لمجرد امتلاكها قواعد كبيرة لم تكن سوى "وهم". لدرجة أن كتّابًا في الصحافة العربية جادلوا بأن وجود هذه القواعد لا يوفر حماية حقيقية فحسب، بل يحرم الحكومات المضيفة أيضًا من القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة والدفاع عن نفسها. وبناءً على ذلك، خلصت بعض عواصم المنطقة إلى ضرورة النأي بنفسها عن "البنية الأمنية التي تتمحور حول الولايات المتحدة" والسعي بجدية أكبر نحو مسار تنويعي يشمل اتفاقيات دفاعية جديدة، ومبادرات إقليمية رباعية، وتعزيز القدرات الدفاعية المحلية.
إذن، السؤال الحقيقي الذي يُطرح في عواصم الخليج الفارسي هو نفسه السؤال الذي أغفلته المقالة المذكورة: كيف يُعقل أن تأتي أمريكا بوعد الأمن، وتبني قواعد عديدة، ثم تتحول الأرض والبنية التحتية نفسها في نهاية المطاف إلى ساحة حرب استشهد فيها 168 طالبًا وموظفًا في مدرسة بمناب في اليوم الأول، واستُهدفت فتيات شابات في صالة لمرد الرياضية بذخيرة استُخدمت ضد المدنيين لأول مرة، في انتهاك صارخ لمبادئ القانون الإنساني والقانون الدولي؟ من الإنصاف الاعتراف بأن جزءًا كبيرًا من النخب والحكومات في المنطقة قد أدرك هذا الواقع ويعيد النظر فيه. لكن البعض ما زال يتجاهل الحقيقة ويعيش في نفس "الحديقة الخضراء" الاستراتيجية التي بنتها واشنطن لهم وسجنتهم في وهم الأمن. ومع ذلك، ووفقًا لوزير الخارجية الإيراني في الاجتماع نفسه في شنغهاي، فإن أمن الخليج الفارسي ومضيق هرمز لا يمكن ضمانه إلا من خلال التعاون بين دول المنطقة، والاحترام المتبادل، والمسؤولية الجماعية.
الدرس الحقيقي من شنغهاي للخليج الفارسي
يُصيب كاتب المجلة حين يقول إن قيمة شنغهاي تكمن في إبقاء الخصوم ضمن إطار مؤسسي؛ لكن الاستنتاج الأدق هو أن شنغهاي لم تجعل "الصمت إزاء العدوان" شرطًا لبقائها، بل نجحت في إدارة خلافات أعضائها واتخاذ موقف جماعي واضح ضد استخدام القوة ضد أي عضو. وكما أكد العديد من المراقبين، أثبتت المنظمة جدارتها في إدانة استخدام القوة وانتهاك سيادة أي دولة بشكل جماعي، ووجدت إيران فيها منبرًا للتعبير بصوت عالٍ عن شعورها بالظلم. لم يغب الحديث عن الحرب عن الاجتماع الوزاري، والمؤتمر الصحفي، والقمة، والوثائق والبيانات الختامية؛ بل ما غاب هو الحضور رفيع المستوى للشركاء العرب في الخليج الفارسي على الطاولة والذي كان من الممكن أن يكون المكان الأمثل لطرح هذه المخاوف الأمنية وإعادة النظر في بنية الأمن الإقليمي.
تعليقك